أبي طالب المكي
253
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ) * [ النساء : 18 ] وحضور الموت يكون عند معاينة ملك الموت إذا خرجت الروح من جميع الجسم فلم يبق إلَّا ما بين القلب والعينين فهو الوقت الذي قال الله عزّ وجلّ : * ( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ) * [ الفرقان : 22 ] وهو الذي خوف منه في قوله تعالى : * ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ ) * [ الأنعام : 158 ] يعني عند الموت ، وهذا لأهل المعاينة « أو يأتي ربك » ، يعني يوم القيامة ، وهذا لأهل البرزخ « يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ » وهو اليأس الذي يقع عنده من الدنيا ، اليأس من طلوع الشمس من مغربها وهو آخر التوبة ويؤمن معه كل كافر . فقال سبحانه : * ( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ ) * [ الأنعام : 158 ] أي من قبل المعاينة : * ( أَوْ كَسَبَتْ في إِيمانِها خَيْراً ) * [ الأنعام : 158 ] قيل التوبة ، وهو الوقت الذي قال الله تعالى : * ( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ) * [ غافر : 84 ] ، يعني كشف الغطاء قالوا : آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنّة الله التي قد خلت في عباده يعني طريقته وشأنه الذي مضى في الخلق لا تبديل له ولن تجد لسنّة الله تبديلا ، وحكم العباد كلهم في المعاد إلى الله عزّ وجلّ إن عذبهم فبما اكتسبوا ، ويعفو عن كثير . وإن شاء أن يغفر لهم وهو الغفور الرحيم . وقد يتفاوت الناس في جميع ما ذكرناه من أداء الفرائض ومن ارتكاب المعاصي والعرف ، والتخلق بأخلاق النفس من عادات أبناء الدنيا وعرف معاشرتهم فيما بينهم ، فإنّ ذلك حال الغافلين ومقام الجاهلين غير محمود العاقبة ، ولا مغبوط الخاتمة ، ولا يترك العمل الصالح أيضا خشية دخول الآفة ، ولا يدعه إن كان داخلا فيه لما يعتريه فيه ، ذلك بغية عدوّه منه لكن يكون على نيته الأولى من جهة القصد . فإن دخلت عليه علَّة وضع عليها دواءها فعمل في نفيها وإزالتها وثبت على حسن نيته وصالح معاملته ، ولا يدع عملا لأجل الخلق حياء منهم وكراهة واعتقادهم فضله ، لأن العمل لأجل الناس شرك . وتركه لأجلهم رياء ، وترك العمل لأجل دخول الآفة فيه جهل ، وتركه عند دخول العلَّة عليه ضعف ووهن ، ومن دخل في العمل لله تعالى وخرج منه لله تعالى لم يضرّه ما كان بين ذلك بعد أن ينفيه ولا يساكنه ، وقد يضرّه ما يكون بعد ذلك : مثل إن كان سرّا فأظهره بعد زمان فصار علانية فنقل من ديوان السرّ إلى ديوان العلانية ، ومثل أن يتظاهر به ويفتخر ويدل به ويتكبر فيحبط ذلك عمله لأنه قد أفسده ، والله لا يصلح عمل المفسدين ، ومن دخل في العمل لله تعالى ودخل عليه في وسط العمل علة فخرج من العمل بها بطل عمله ، ومن دخل في العلم بآفة وخرج منه بصحة سلم له عمله وجبر بآخره أوّله ، وأفضل الأعمال ما دخل في أوّله لله تعالى وخرج منه بالله تعالى ، ولما